
ولأنّ الثورة لم تكن انقلاباً عسكرياً على النظام الإمبراطوري الحاكم والمحميّ بمعادلة الاحتضان الغربي والوصاية الأميركية، وإنما كانت تعبيراً عن نهوض شعبي إيراني عارم مُلتزِم بعقيدة ونهج فكري وسياسي وحضاري مغاير لعقيدة ونهج النفعية الرأسماليّة والانتهازية الطامعة والنزوع الدائم نحو التسلّط والاستئثار والهيمنة، فقد ظَهَرَ التناقض بين النهجين بسرعة.
ولم نشهد برهةً لالتقاط الأنفاس لدى الطرفين، بل واصل الاشتباك مساره بتصاعد لم يهدأ متّخذاً أشكالاً متعدّدة، لا تخفي أبداً الغليان الضمني المُتبادل بسبب معاناة إيران وشعبها من سياسة الوصاية الأميركية ومصادرة قرارهما السيادي، وبسبب النكران الأميركي وعدم الاعتراف بالأمر الواقع الذي أحدثته الثورة الإسلامية والنظام الإسلامي الذي التزم الاحتكام إلى مبادئه وقوانينه الشعبُ الإيراني بغالبيته العظمى التي لا تقبل طعناً ولا إنكاراً.
وما يفسِّر حدّة ذاك التناقض والغليان هو حجم رهان أميركا على إحكام قبضتها على موقع إيران الجيوسياسي الذي يمثّل عقدة الوصل الإستراتيجي ومفتاح المعابر بين الشرق والغرب من جهة، وبين الأنظمة الدولية الكبرى المتنافسة على بسط النفوذ في مختلف قارّات العالم، فضلاً عن إمكانية التحكّم والتأثير على إمدادات النفط والغاز والموارد الطبيعية الأخرى التي يحتاج إليها الغرب ودوله لتعزيز موقعه الاقتصادي وتفوّقه الدولي.
للباحث أن يختصر دوافع الصراع المُحتدِم تصاعدياً باستمرار بين إيران من جهة والغرب بقيادة النظام الأميركي من جهة أخرى، بعاملين أساسيين تندرج تحتهما عوامل أخرى ظرفية أو مساعدة، وهما:
1- استقلالية إيران وسيادتها التامة جغرافياً وسياسياً وحضارياً، ونجاحها في اعتماد نموذج جديد لنظام حكم دستوري متناسِق يرتكز إلى قِيَمِ ومفاهيم الإسلام وأحكامه ويستند إلى مشاركة شعبية عارمة تشكّل ضمانة داعمة للسيادة والاستقلال.
2- موقع إيران الجيوسياسي والإستراتيجي وتأثيراته على العلاقات الدولية وموارد وممرات الطاقة والاقتصاد العالمي.
وفي كنف هذين العاملين الأساسيين يبرز التباين والاختلاف إزاء الرؤية والمصلحة الإستراتيجيتين حول قضيتين مركزيتين:
أ - الالتزام الحضاري لإيران بالإسلام كعقيدة ونظام حياة وحكم، مع ما يعنيه ذلك من تباين مع الفكر الرأسمالي النفعي الذي تتضخّم في ظلِّ قيَمِهِ، الأنانيةُ وصولاً إلى الجموح والتغوّل الاستعماري للسيطرة والتسلّط.
ب - التصادم الحادّ في الموقف من الاحتلال الصهيوني لفلسطين وما يعكسه من تناقض سياسي ومصلحي إستراتيجي عَصِيٍّ على توافق الطرفين منهجياً حول صيغة الحل السياسي العادل.
والمُتَتَبِّع للمواقف السياسية إزاء مختلف القضايا بين إيران والغرب عموماً، يجد أنّ محور التباين الحاكم غالباً ما يكون متصلاً أو مرتكزاً إلى أحد العاملين الآنفين أو إحدى القضيتين المركزيتين.
والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق، هو التالي: ألَا يمكن للقانون الدولي أن يخفِّف من غلواء هذا التعارض بين هذين الكيانين السياسيين المُعترف بهما في النظام الدولي؟!
للإجابة على هذا السؤال الصعب لا بدّ من الإشارة إلى بعض الأصول:
1- أنّ ما يتحكّم بالقانون الدولي هو موازين القوى وليس العدالة.
2- موازين القوى ترسمها عادةً اصطفافات الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والتكتّلات التي تلتفّ من حولها.
3- القرارات العادلة التي تدعمها أصوات مُرجِّحَة، يُسقِطها الفيتو المُعبِّر عن القوة.
وبناءً عليه، فإن القرارات الدولية التي تصدر وفق القانون الدولي المُعتمد لا تعكس العدالة بقدر ما تعكس قوة النفوذ والعلاقات المدعومة من دولة أو دول تملك حق الفيتو في مجلس الأمن، وتتوافق مصلحتها مع مضمون القرار الدولي المطلوب تمريره.
ولذلك، غالباً ما تُعبِّر القرارات الدولية عن توازنات مصالح الدول وليس عن العدالة، أو عن تسويات لها قوة القانون.
وفي ضوء ذلك، لا يعود القانون الدولي ملاذاً للباحثين عن العدالة، وإنما مخرجاً لمن يتوسّلون القانون لتثبيت مكسب ما، أو منع تفاقم ضررٍ ما. فيما طلاب العدالة يواصلون الانتظار على الرصيف، أو يلتحقون بدافع الضرورة ضمن اصطفاف تكتّل حول دولة كبرى لترجيح موقفها واستنقاذ حقّها إن خالفتها التوازنات.
وفي الأعمّ الأغلب، يصدق هذا السيناريو حين تكون القضية المُختلَف عليها هي قضية مصلحة... أمّا حين تكون قضية إستراتيجية فيغدو اعتماد هذا السيناريو أكثر صعوبةً وربَّما أعلى تكلفةً أيضاً.
■ ■
أمّا الرهان على تأثير الرأي العام، فقد يصلح في بلد صغير يتنازع مع بلدٍ مجاور بحجمه، أمّا أن يكون النزاع إقليمياً أو دولياً فَتَشَكُّل الرأي العام الضاغط أو المؤثّر يخضع حينئذ لموازين القوى المختلفة ولقدرتها على الإنفاق الدعائي والإعلامي من أجل تسويق سرديتها حول النزاع وحثّ الرأي العام على التعبير عن موقفه، سواء عبر التصريحات والمواقف الضاغطة أو عبر التظاهرات والإضرابات أو عبر أشكال مدنية أخرى تُسهِم في التأثير على موقف الخصم وتدفعه إلى التنازل في ظرفٍ ما محدّد ومناسب. إلّا أن هذا يتطلّب وقتاً قد يستغرق سنوات، وقد يستلزم صموداً مُكلِفاً يسقط فيه ضحايا وتُدَمَّر أثناءه بُلدان.
وقف الإبادة في غزة استلزم عاماً ونصف عامٍ على الأقل من التظاهر الدوري في العديد من عواصم دول القرار في العالم، وفعاليات شعبية أخرى ومتنوّعة، ورغم ذلك فقد انخفضت وتيرة الإبادة بعد مرور عشرين شهراً، من دون أن تتوقّف نهائياً حتى الآن، وحصدت بالنتيجة 72 ألف شهيد و172 ألف مُصاب وجريح ومُعوَّق.
وهذا الأمر حصل لأنّ قضية فلسطين قد دوَّت أصداؤها وأحداثها بالحدّ الأدنى منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية عام 1967، من دون أن نحسب كل ما حصل منذ عام 1948.
■ ■ ■
كل السياق الآنف الذكر، إن دلّ على شيء، فإنّما يدلّ على أنّ الحق الذي لا تدعمه القوة يبقى مُهدّداً أمام الباطل الذي يتمرّد على القانون. فكيف إذا كان الباطل المتمرّد على القانون يفترض نفسه أنّه صانع القانون وبيده يمكنه تعديله أو إلغاؤه أو تعطيل أحكامه، ليس استناداً إلى الحق والعدل وإنما اعتداداً بالقوة والعظمة.
إن مأساة العالم اليوم هي في تحكّم الجبابرة الأقوياء برسم مستقبله ومصيره. وهذا التحكّم الظالم هو نتاج قيم الحضارة الغربية التي تقدّس الفردية إلى حدّ تضخيم النزعة الأنانية لديه وصولاً إلى إسقاط هذه النزعة على وطنه ليغدو الفرد الأوروبي أو الأميركي، فرداً أسطورياً لا نظير له ولا يليق به أن يتساوى مع غيره، وَلِيَصير وطنه بحكم هذا الجموح الأناني، الوطن الذي لا مثيل له في العالم ولا يحقّ لِوَطَن آخر أن يُقاس به وبعظمته وبتفوّقه. ويتفاقم هذا التفرّد وهذا العلو إلى حدّ الغطرسة والفجور السلطوي الذي يمثّل ترامب أحد أبرز رموزه وممثّليه.
■ ■ ■
إنّ الديمقراطية المُدعاة في أميركا والغرب ليست إلّا محدلة أرقام تسحق قيم الإنسانية، وتُخضِع المجتمعات لنزوات الجبابرة وأباطرة المال والسلطة والإعلام. وبإزاء هذه الديمقراطية المزيّفة تغدو الجمهورية الإسلامية وسياساتها حاجةً ومطلباً نهضوياً للمستضعفين في العالم، ولدولهم وقارّاتهم، في الوقت الذي يسعى فيه الاستبداد الأميركي لسحق وإزالة الجمهورية الإسلامية وإفشال تجربتها الواعدة لأنّ ذنبها الوحيد أنّها تجرّأت وبإصرارٍ لتكون دولةً مستقلّة قوية ومؤثّرة في شعوب العالم، من خارج منظومة الاستبداد الغربي المستعمر والمتوحّش الذي ظهر على حقيقته في غزّة وفنزويلا وغرينلاند وحتى في مدنه الداخلية.
رئيس كتلة الوفاء للمقاومة